خاص- “كتير هلقد” برنامج لا يصرخ ليبقى… وهل نجح هشام حدّاد في امتحان الاستمرارية؟

في الأزمنة الثقيلة، حين تتراكم الوقائع على صدر الإنسان كما لو أنّها بلا مخرَج، لا يعود الضحك ترفًا عابرًا، بل يتحوّل إلى فعل مقاومة صامتة. من هنا، تتقدّم البرامج الساخرة إلى الواجهة، لا لأنها تُضحك فحسب، بل لأنها تمنح المُشاهد فسحة، هدنة قصيرة مع واقعٍ لا يرحم. هي استراحة العقل من جدّية الحياة، ومن خطاباتها المرهقة، ومن أخبارها التي لا تعرف نهاية.

في هذا السياق، تأتي عودة برنامج “كتير هلقد” لهشام حدّاد، عودةً مشبعة بالرمزية أكثر مما هي مجرّد موسم تلفزيوني جديد. توقّف قسري فرضته الحرب والاضطراب اللبناني، ثم رجوع إلى الشاشة في لحظة لا تزال مثقلة بالأسئلة. حتى الانطلاقة، التي كان يُفترض أن تكون احتفالًا بالعودة، جاءت مرتبكة. حلقة أولى لم تُبثّ كما خُطّط لها، تصوير توقّف فجأة، وضيفة خسرت حقّها الطبيعي في افتتاح الموسم، لأسباب بقيت معلّقة في الفراغ. بداية لم تكن عادلة، ولا موفّقة، ولا يمكن تحميلها اكثر مما تحتمل لبناء فرضيّة انتهاء الموسم قبل بدايته…

لكن ما تلا ذلك كشف ما هو أعمق من خلل تقني أو سوء توقيت. الهجوم الذي طاول البرنامج، وتحديدًا مقدّمه، لم يكن في جوهره فنيًا بقدر ما كان انعكاسًا لانقسامٍ سياسيّ مزمن. هشام حدّاد، الذي اختار في مرحلة ما أن يخلط السخرية بالموقف، دفع ثمن هذا الخيار مضاعفًا. ففي لبنان، لا يُسامَح صاحب الرأي حين يتعثّر، بل يُنتظر سقوطه ليُحاسَب على كل ما سبق.

ومع ذلك، يصعب إنكار حقيقة أساسية: هشام حدّاد بات اليوم رقمًا صعبًا في المشهد الساخر. والمفارقة أنّ برنامجه يُعرض في زمن غابت فيه المنافسة المباشرة، بعدما كانت المواجهة التلفزيونية عنصرًا محفّزًا على الاستنفار والإبداع. غياب الخصم قد يخلق وهم الراحة، لكن الاستمرار وسط هذا الفراغ هو التحدّي الحقيقي. أن تبقى، وأن تُنتج، وأن تُضحك، من دون ضغط المقارنة، ليس إنجازًا سهلًا.

تتردّد كثيرًا مقولة إن هذا النوع من البرامج “لم يعُد على الموضة” والحقيقة أنّ ما خرج من التداول ليس السخرية، بل القوالب المكرورة. التلفزيون، مهما تبدّلت وسائطه، يحتاج إلى هذا النفس الترفيهي الذكي، لأن الناس لا تبحث دائمًا عن تحليل او عن حوارات فلسفية، بل عن تنفّس. وما تراجُع التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي إلا انعكاس لتحوّل المعايير، حيث بات الضجيج الرقمي مرتبطًا بالجدل أو بنجوم الصف الأوّل، لا بالمحتوى وحده.

قرار هشام حدّاد بتقليل حضور نجوم الصف الأول، وإفساح المجال لوجوه أقل شهرة، هو خيار يُشجّع المواهب، ويكسر احتكار الضوء، لكنه في الوقت نفسه لا يُجيد لعبة الترند. ومع ذلك، ليست كل قيمة قابلة للقياس بعدد المشاركات، ولا كل حضور مرئي يحتاج إلى صخب ليكون مؤثرًا.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور المحطة التي ينتمي إليها البرنامج اي المحطة العريقة mtv. فالدعم لا يُقاس فقط بمساحة البث، ولا يكتفي بإبقاء البرنامج على الخريطة. هشام حدّاد لم يكن اسمًا عابرًا انتقل بين الشاشات، بل خيارًا واعيًا حين غادر محطات أخرى، واختار هذه المحطة تحديدًا ليصنع فيها مشروعه الساخر ويحمّلها جزءًا من هويته المهنية. ومن هذا المنطلق، يصبح من الطبيعي، أن يكون الدعم متبادَلًا.إضاءته عبر برامج المحطة، استضافته في مساحاتها الحوارية، وتقديمه للجمهور بوصفه قيمة مضافة لا مجرّد مقدّم برنامج، ليست مجاملات إعلامية، بل فعل وفاء مهني. فالمحطة التي احتضنت موقفه، واستفادت من حضوره، مطالَبة اليوم بأن تحميه من الحملات الخبيثة وأن ترفع عنه عبء المواجهة وحيدًا.

لم تكن مشاركة ندي أبو شبكة هذا الموسم في “كتير هلقد” مجرّد تبديل أسماء، بل خطوة محسوبة أضافت نكهة مختلفة من دون أن تمسّ بروح البرنامج. ومع الاعتراف الكامل بدور oh my jad، الذي شكّل أحد أعمدة العمل وأسهم في ترسيخ هويته، يبقى التغيير أحيانًا ضرورة لا انتقاصًا، خصوصًا في البرامج الساخرة التي تعيش على التجدد.

ندي أبو شبكة يمتلك عفوية محبّبة، وحسًا نقديًا ساخرًا بعيدًا عن الثقل والابتذال. قدرته على الإضحاك لا تقوم على الصدمة، بل على الذكاء والتوقيت، ما جعل حضوره هذا الموسم مؤثرًا ولافتًا. وحتى إن كان بعض مضمونه مُعدًّا سلفًا، فإن تحويل الفكرة إلى لحظة حيّة خفيفة الظل هو جوهر الموهبة.

اما الحديث عن تراجع البرنامج يبدو غير دقيق. فالديو الذي جمع ندي أبو شبكة بهشام حدّاد أثبت كيمياء عالية، قد تكون من أقوى الثنائيات التي عرفتها البرامج الساخرة في الفترة الأخيرة، من دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

يبقى غياب أمل طالب حاضرًا في ذاكرة الجمهور، لا كفراغ، بل كتجربة غنيّة. وإذا كانت قد انسحبت يومًا لإفساح المجال أمام التغيير، فإن العودة، إن حصلت، ستكون عودة ناضجة، قائمة على الوفاء للمكان الذي انطلقت منه. فغالبًا، نكون أكثر غنى وتأثيرًا حين نكون في الموقع الصحيح.

هذا الموسم من “كتير هلقد” ليس صاخبًا كما في البدايات، لكنه أكثر رسوخًا. فالدهشة الأولى تخفّ، لكن العادة تتحوّل إلى حضور ثابت. وفي زمن بات فيه التلفزيون محكومًا باسم الضيف لا بهوية البرنامج، يبقى نجاح الاستمرارية إنجازًا بحد ذاته.

الضحك، حين يكون ذكيًا، لا يحتاج إلى ضجيج. يكفيه أن يكون صادقًا…

مقالات متعلقة

Back to top button

Adblock Detected

Please disable ads blocker to access bisara7a.com