رأي خاص – الفارس عمل مسرحي رؤيوي حمل رسالة محبة وسلام من دبي الى العالم

باتريسيا هاشم – بصراحة: ربما وثق ابو تمام الطائي الذي كتب القصيدة الشهيرة ” فتح عمورية” بالسيف أكثر منه من الكتب حين قال:”السَّـيْـفُ أَصْــدَقُ إنْـبَــاءً مِـــنَ الـكُـتُـبِ فِـي حَــدهِ الـحَـدُّ بَـيْـنَ الـجِـد واللَّـعِـبِ”. ومهما عنى ابو تمام بكلمة كتب الذي ذهب المحلّلون بها بعيداً لتفسيرها، الا ان السيف كان بالنسبة له الحدّ الفاصل الوحيد بين الحق والباطل حين قال ايضاً:”بيضُ الصَّفَائِحِ لاَ سُـودُ الصَّحَائِـفِ فِـي مُـتُـونِـهـنَّ جــــلاءُ الــشَّـــك والــريَـــبِ”، ما يعني انه بين السيوف والصحائف أي الكتب اختار السيف ملاذه الأول ومصدر قوته.

السيف كان فخر العرب ورمزاً للشهامة والرجولة والفروسية والقيادة والنصر قبل ان يتحول في أيامنا هذه الى رمز للارهاب والتخلُّف والاجرام والبربرية حيث فقد مع اعداء السلام والاسلام رمزيته العظيمة وقدسية رسالته، لذا جاءت مسرحية “الفارس” في توقيتها الدقيق لترسي مقولة جديدة سطّرها بحكمته صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، تؤكّد ان الكتب أَصْــدَقُ إنْـبَــاءً مِـــنَ السيف وان الكلمة اكثر صدقاً وانسانية وابداعاً وتأثيراً على المجتمعات ، موجِّهاً رسالة محبة وسلام  من دبي إلى العالم من خلال هذه الملحمة الغنائية التي تمّ فيها بناء قصة دراما مسرحية اعتماداً على الأشعار وليس العكس كما هي طبيعة الأمور في المسرح الغنائي، وذلك نظرا للقيمة الكبيرة التي تمثِّلها الأبيات المنتقاة والتي تمَّ اختيارها بعناية فائقة من بين ثلاثين قصيدة نَظَمها سموه وذلك بعد دراسة ما يزيد على ماية وخمسين قصيدة تحمل معانٍ ورسائل وأفكار متنوعة تمسّ طيفاً واسعاً من الموضوعات وضعت في مفاصل بناء درامي شيّق ومتخيل. وتدور الأبيات المنتقاة حول القيم النبيلة للفارس وما يرمز له من شيم إنسانية أصيلة تعكس تطلعات سموّه كقائد عربي نحو عالم يسوده الودّ والوئام والسلام وتجتمع فيه روابط المحبة والتعاون بين شعوب الأرض وهو ما تجسده شخصية البطل “الفارس” بما تحمله من صفات النُبل والكرم والشجاعة وحرصه على مساعدة المحتاجين ونصرة المظلومين.

أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم  كانت هي بطلة المسرحية المطلقة

أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم  كانت هي بطلة المسرحية المطلقة. اختالت على المسرح بزهوٍ وثقةٍ وشموخٍ وغرورٍ يليق بها، تنقلت بكِبرٍ بين مشهد وآخر وبين ممثل وآخر وبين راقص وآخر، نثرت طيب عطر الانسانية والانفتاح والنبل في كل ارجاء المسرح ، اتّحدت بصوت فنانَين مبدعَين من الوطن العربي هما غسان صليبا وبلقيس فلبست حلّة الابداع والاستثنائية، غازلت ألحان الرحابنة فسكنت مملكة التواضع والسلام وخرجت بتصفيق حار من المسرح منتصرة بعد إرثاء فكر ورؤية كاتبها بين عقول حضرت الى المسرح تتضور جوعاً الى المسرح الغنائي الذي بات يعاني شُحاً ظاهراً في الإنتاج شأنه في ذلك شأن باقي الفنون نتيجة للأوضاع الاستثنائية التي يشهدها العالم العربي.

في 4 آذار مارس 1995 وخلال تعيينه ولياً للعهد في امارة دبي، صرّح سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قائلاً:” لا اعرف  فيما إذا كنت قائدًا جيدًا أم لا، لكن ما أعرفه إنني الآن في مركز قيادي، وعندي رؤية واضحة للمستقبل” واثبتت السنوات انه ليس قائداً جيداً وصاحب رؤية واضحة للمستقبل فحسب، بل هو كما في مسرحيته فارس الشعر وفارس البناء وفارس الخيل والأهم فارس الانسانية لما حملت المسرحية من محطات شعرية وجّه سموه من خلالها رسائل انسانية تحاكي ضمائر العالم المثقلة بالذنوب وقلوب مظلمة وعقول ظلامية، فرسم من خلال اشعاره في مسرحية “الفارس” أبهى صورة للحياة من أجل اسعاد الناس وبناء مفهوم العائلة الواحدة في زمن العنف والانحطاط والتردّي المحيط باعماق قيمنا العربية وهذا ما قام به “فارس” المسرحية الذي وجد نفسه في سباق مع المستحيل ليثبت انه قادر على خوض الحروب ضد آفة الظلام من أجل الحرية والكرامة وهو ورث عن اجداده العظماء الحكمة التي يغذّيها بفعل كرمه ورجاحة عقله وعزمه على الخروج منتصراً من المحن والصعوبات. ورغم ان الاعداء يحاولون اعاقة طريقه في كل مرحلة من خلال كل مفردات الازدراء والحسد وحياكة الدسائس الا انه يتجاوزها بما لديه من رؤية ثاقبة ومتأنية.

اما السؤال المِفصل في هذا العمل ، لماذا قرر سموّه ان يشارك الجمهور أشعاره من خلال مسرحية “الفارس” وما هي الرسالة من وراء ذلك؟. الاجابة بكل بساطة هي انه شاء ان يشارك في كتابة التاريخ والتأثير فيه وليس التأثّر به فقط كما جرت العادة عند العرب وذلك من خلال الارتقاء الى ما يخدم الحضارة العربية . فالارتقاء تَجسّد من خلال الاشعار التي حملت فكراً وقضية وجمالاً ومفاهيم جديدة وأعطت للكلمة الاولوية في تحديد مسار التاريخ العربي واستمراريته ودوره بتشكيل حضارته لتكون فاعلة ومتفاعلة ومؤثرة بالحضارات الاخرى.

فالكلمة هي ابهى تجلّيات الفكر الانساني وهي محورية ومؤثرة في الرسالة والقضية الانسانية الذي اراد سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تسليط الضوء عليها من خلال مشاركة اشعاره بهذا العمل المسرحي الرؤيوي، للاستنتاج بأن الفكر هو ضابط ايقاع حضارتنا العربية وهو الذي يحدّد مسارها عبر التاريخ وليس السيف الذي لا يحمل فكراً على الاطلاق بل عنفاً مطلقاً. وهذه كانت نقطة الالتقاء بين رؤية وفكر وكلمة سموّه والمسرح الرحباني العريق الذي وعبر تاريخه كان ينبض فكراً وفلسفةً ويعالج قضايا الشعوب وشجونها ويغوص في مكنونات بيئاتها بطابع فني جمالي وريادي ويلامس الابداع والخلق بالمعنى الانساني للكلمة.

غسّان صليبا فارس بكل معنى الكلمة

بطل المسرحية هو الفنان اللبناني غسان صليبا الذي كان فارساً بكل ابعاد الابداع الفنّي وأثبت مرة جديدة انه فارس حقيقي على المسرح الرحباني وانه البطل الذي يمكن الاعتماد عليه وكسب الرهان من خلاله وكان فارساً بحضوره القوي وصوته القادر ووفائه لأغنيات المسرحية التي أوصلها الى الجمهور بأمانة كبيرة وبتمثيله المحترف، فشعر كل من في الصالة بالفخر بنجم عربي بحجم غسان صليبا امضى معظم حياته المهنية على خشبة المسرح فكرسته نجماً نادراً في تاريخ المسرح الغنائي العربي .

 

بلقيس فتحي جبلٌ شامخٌ على المسرح رغم صغر سنها

أما هي فتدعى “شموس” التي ينقذها حبيبها الفارس من الأسر وسط صراع عنيف بين ما يمثّله الخير من عطاء وتضحية وما يمثله الشرّ من عنفٍ وكراهية، فكانت بلقيس مفاجأة المسرحية. وقفت امام آلاف الحضور واثقةً مبتسمةً، جبلٌ شامخٌ على المسرح رغم صغر سنها ويفاعة قامتها، وقفت معلنةّ ولادة ممثلة جديدة خطيرة تحمّلت بجديّة مسؤولية المهام الابداعية التي اوكلت لها. حين غنّت راقصت أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والحان الرحباني، فكانت دون ادنى شك رقصةً مصيريةً ستُحفظ في سجلات الابداع للمسرح الغنائي العربي. ولعل الفنانة بلقيس لا تعلم انها خطت خطوات فنّية سبقت سنها وخبرتها وكرّستها فنانة شاملة تمتلك من الموهبة الشيء الكثير ما أمنّ لها تسجيل اسمها بحروف من ذهب في كتاب تاريخ الفن الحديث وهي تعلم طبعاً انها محظوظة بإعطائها فرصة اداء هذه الرقصة المصيرية، فتركت بصمة “بلقيسية” خاصة جداً في المسرح الرحباني. ولأن المكتوب يُقرأ من عنوانه، فمن يتابع خطوات بلقيس الفنية ويتعرف على هذه الشخصية العنيدة التي تتحدى نفسها عند اي امتحان،لا يشكك للحظة بقدرتها على تحقيق انتصار فنّي جديد وكسب الرهان واليوم وبعد اسدال الستارة على آخر عروض مسرحية “الفارس” تكون بلقيس فتحي حاملة لشهادة تفوّق نادرة في مسيرة شابة كمسيرتها.

الرحابنة رقم صعب في عالم المسرح الغنائي

القائمون على مسرحية الفارس ينتمون الى اكثر من ثلاثين جنسية ويتألفون مما يزيد عن 800 فنان وعارض وموسيقي وهذا التنوع في فريق العمل يعكس طبيعة مجتمع دبي الذي يعتبر نموذجاً فريداً على مستوى العالم بين الجاليات التي تعمل وتعيش في إطار من التسامح والتواصل الانساني القائم على الاحترام والانفتاح والتعاون وهي من انتاج “براند دبي”، الذراع الابداعي للمكتب الاعلامي لحكومة دبي التي وفّرت كل الامكانات ليصبح العمل احدى العلامات الفارقة في تاريخ المشهد الابداعي العربي لا سيما على صعيد المسرح الغنائي. والمسرحية وليدة رؤية مروان وغدي الرحباني ومن تأليفهما الموسيقي الى جانب أسامة الرحباني ممثلين “الرحباني للانتاج” التي قدّمت في السابق مسرحية “المتنبي” عام 2001 و”زنوبيا” عام 2007 لتأتي مسرحية “الفارس” مطلع عام 2016 ضمن توقيت بالغ الاهمية. وعلى الرغم من تشابه احداث المسرحية مع ما يجري في عالمنا العربي الآن فإن “الفارس” حسب الرحباني “فانتازيا” ملحمية تخرج عن أطار الزمان والمكان لتحمل قيماً انسانية عامة لا ترتبط بأي من هذين البُعدين ولعلها فرصة لرفع القبعة لمبدعين من لبنان حاملي راية التميّز والاستثنائية يفاجؤوننا عند كل عمل جديد ليؤكدوا للجميع انهم الرقم الصعب في عالم المسرح الغنائي وان الارث الرحباني في ايدٍ امينة وهم شرّفوا الوطن العربي بإبداعاهم المسرحي الاخير اي مسرحية “الفارس”.

وتبقى دبي الملاذ الانساني الآمن لجميع الشعوب العربية

ستبقى دبي دائماً منارة للابداع والخلق والابتكار والحضارة والثقافة والأمان والاهم منارة للانسانية لما لحاكمها من حكمة ورؤية لارثاء رسالة المحبة والسلام الكفيلة برفع الامارة الى مرتبة الشرف. وستبقى دبي الملاذ الانساني الآمن لجميع الشعوب التي حلمت بأوطان مثالية وحكام عادلين. وستبقى دبي إمارة العزة والكرامة ووجهة المبدعين الباحثين عن الفرص، ستبقى الحلم الاقرب الى الواقع والواقع الاجمل من الخيال طالما على رأسها فارس الكلمة الذي آمن ان الكلمة أَصْــدَقُ إنْـبَــاءً مِـــنَ السيف فحمل راية شرف الكلمة فشرّف بإمارته الوطن العربي بأجمعه. واستعير اليوم بيتاً من شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لأنهي بالقول ان عظمة الدول وشعوبها تقاس بعزيمة حكامها للخروج منتصرين من المحن والصعوبات…

نمشي على درب ما توطاه الاقدامي          وان وعرت الارض يعجبني المشي فيها

الفارس: لوحاتها من أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

تأليف وتلحين وتوزيع: مروان وغدي وأسامة الرحباني

قصة وسيناريو: مؤيد الشيباني و مروان الرحباني

الموسيقى:  اوركسترا اوكرانيا ولبنان السيمفوني

تصميم الأزياء : بابو لحود

تصميم الديكور : بيار عبود

تصميم الإضاءة والمدير التقني : نايجل هولبروك

كوريغرافيا : سامي خوري

مساعدة كوريغرافيا وتدريب الرقص : دانيال الرحباني

مخرج الأفلام الخلفية : منصور الرحباني

الأشراف على أداء النصوص الشعرية : سيف السعدي

مدير الأنتاج : عبدو الحسيني

المنتج المنفذ : الرحباني للإنتاج

الأخراج والأشراف العام :  مروان الرحباني

إنتاج : براند دبي

مقالات متعلقة

Back to top button

Adblock Detected

Please disable ads blocker to access bisara7a.com