Search
الأربعاء ٢٣ يناير ٢٠١٩

من يحكم لبنان، حزب الله… أم العهد القوي!؟

Clipboardإن الأزمة الحكومية التي يترنح تحت وطأتها النظام السياسي اللبناني، قد تظهر للبعض أنها عقدة توزير نواب السنّة المستقلين ورفض الرئيس المكلّف الإقتطاع من حصته لحّل هذه المشكلة التي وقف حزب الله وراءها متوعّداً وبشكل حازم عدم تراجعه الى يوم الدين. وكأنها أزمة مصير تطال وجوده وعقيدته ونضاله وتضحيات شهدائه في سبيل قيام الأمة وتحريرها وتقدمّها مستهدفاً بصورة علنية الرئيس المكلّف سعد الحريري وتمثيله الحصري للطائفة السنية في النظام دون التطرق لحصة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحرّ التي وصلت الى حدّ نيلهما 11 وزيراً في حكومة ثلاثينية، وما يستتبع ذلك من الثلث الضامن أو المعطل داخل الحكومة.

بالمقابل، تمسّك العهد القوي ( عندما نتكلم عن العهد القوي نشمل حصة الرئيس والتيار الوطني الحرّ معاً) بحصته وتحميل الرئيس المكلّف مسؤولية حلً هذه المشكلة من حصته الوزارية بالتهديد بمخاطبة مجلس النواب عن طريق توجيه رسائل إليه أو أخذ مبادرة التأليق منه والضغط عليه أعلامياً من اجل إستدراجه للإعتذار وتكليف شخصية سنّية أخرى مكانه لتأليف الحكومة. علماً مع بداية هذه الأزمة كان موقف رئيس الجمهورية واضحاً لناحية تحميل هذه العرقلة للنواب السنة المستقلين وعدم أحقيتهم بالتمثيل داخل الحكومة أثناء مقابلته التلفزيونية في الذكرى السنوية الثانية للعهد.

إن جوهر الأزمة الحالية هي عدم سماح حزب الله لأي مكوّن سياسي الحصول بمفرده على الثلث داخل الحكومة وإن يكون هذا المكوّن من حلفائه، ومرد ذلك لخروج اللعبة السياسية وضوابطها عن سيطرته وجعله لاعباً عادياً أسوة بغيره من القوى السياسية. غير أنه لا يمكنه مهاجمة العهد القوي مباشرة، فيلجأ الى أدوات سياسية متاحة له لعرقلة تأليف الحكومة مدركاً أن هذه الأزمة لا يمكن أن تجد لها حلاً من حصة الرئيس المكلّف نظراً للكلفة السياسية الكبيرة التي سوف تؤدي الى إنتحاره السياسي، فالمخرج الوحيد هو توزير هؤلاء النواب من حصة العهد القوي.

يعلم جيداً العهد القوي، أنه لا يمكنه التنازل عن حصته الوزارية، فهو بحاجة الى هذه الحصة الوازنة لعدة أسباب أهمها: تحقيق سياساته الإقتصادية والإنمائية والسلطوية، كما وضمان فعاليته في أي مشكلة قد تطرأ على المستوى السياسي بينه وبين أخصامه أو حلفائه فيما يعود للإستحقاقات الدستورية المقبلة وخاصة معركة رئاسة الجمهورية. فعندما يقول فخامة الرئيس إنها حكومة العهد الأولى فهو مدرك إنه من خلالها سوف يحكم لبنان فعلياً وليس حزب الله. وإن إهتمام هذا الأخير بالوضع الداخلي سوف يعيق عمل العهد ويعرق تنفيذ سياساته على كافة الأصعدة.

إن المعركة السياسية الحالية هي من سيحكم لبنان في المرحلة المقبلة، حزب الله.. أم العهد القوي ؟ إنه صراع الحلفاء على المكاسب السياسة التي حققوها من خلال الإنتخابات النيابية الأخيرة وموازين القوى الإقليمية وخاصة عودة الهدوء النسبي الى سوريا وإستثمار هذا الواقع في الداخل اللبناني.

يسعى حزب الله للقول أن حلفائه لا يمكنهم لعب دور سياسي فعاّل في لبنان دون دعمه  ومؤازرته وموافقته. فلا يمكن لطرف سياسي مهما بلغ من قوة أن يخرج عن السيطرة ويغرد لوحده ويملك الأدوات السياسية للقيام بذلك دون الرجوع اليه.

كما ويسعى العهد القوي للقول إنها الفرصة التاريخية التي لن تتكرر بإستعادة التوازن الى الحياة السياسة والسيطرة شبه التامة على مفاصل السلطة دون الحاجة الى أي من الحلفاء السابقين أو الأعداء المفترضين. فالأنا السياسية بكافة تجلياتها تجد لها الفرصة المناسبة لتحقيق ذاتها بعد نضال طويل إستمر لأكثر من ثلاثة عقود. فلا حزب الله ولا غيره من الأخوة سيقف في وجه هذا الطموح الجامح الذي هو على إستعداد لفعل أي شيء ومهما بلغت كلفته السياسية أو الوطنية ليتجلى بمظهر العظمة والقوة في هذه اللحظة التاريخية من واقع لبنان السياسي.

إن حزب الله مدرك تماماً لهذه المعادلة السياسية الجامحة لحلفائه ويسعى لمقاربتها بهدوء وحكمة من خلال كبحها سياسياً بطريقة غير مباشرة ودون الإصطدام بها. وذلك بنقل المواجهة المباشرة مع الرئيس المكلّف، إنما غايته السياسية الأخيرة هي عدم السماح للعهد القوي الحصول على الثلث في الحكومة، لأن ما يطمح له العهد القوي لا يتطابق مع رؤيته السياسية للبنان وأهدافه الداخلية والخارجية.

المعضلة الحكومية تتلخص بالتالي : ما لم يتخلى العهد القوي عن الثلث في الحكومة لن تتشكل هذه الأخيرة حتى يوم الدين، ومهما تعددت الذرائع. بالمقابل، ما لم يحصل العهد القوي على الثلث في الحكومة لن تتشكل هذه الأخيرة حتى لو وصلت الأزمة السياسية والإقتصادية الى ذروة التصعيد.

إنها قدرية التاريخ أن يتقاتل الحلفاء على من سيحكم لبنان، وبتقاتلهم هذا سوف يدمر البلد على رؤوس الجميع، وسيدفع المواطن في النهاية الثمن من أعصابه ومستبقله، لندخل مجدداً في متاهة عبثية الأستقواء وعدم النضج السياسي وتضخم الأنا السياسية.

المحامي إميل جعجع.