Search
الأحد ٢٠ أكتوبر ٢٠١٩

رأي- ظاهـرة الحـب

حين يكون موضوع المقالة هو الحب ، يتعذر الابتداء بسبب تعذر الحصول على تعريف مقبول ومتكامل لها .

الحب الذي أتحدث عنه والذي يعنيني ليس حب الوطن والمال ، ولا حب الأخ لأخيه أو الأم لولدها . الحب الذي يهمني هو الحاجة والنزوع والميل إلى امتلاك المحبوب بصورة من الصور والاتحاد به . الحب هو حالة عاطفية مركبة تشمل كيان الانسان بكامله جسداً وعقلاً وروحاً وتمتزج فيه عوامل عديدة الانفعال العاطفي والهوى والتعاطف والمودة والنزوع نحو التضحية في سبيل مصلحة المحبوب وهنائه وسعادته .

يتميز الحب الذي ترك أثراً هاماً في تاريخ الانسان وأدبه وفكره وبكونه شقياً تعيساً يائساً . إنه الحب الذي لا يعرف النهايات السعيدة لأنه دوماً حليف المآسي وقرين الموت والدمار والخراب وكأنه قوة تتسلط على الانسان تسلّط القدر المكتوب فتدفعه إلى مصير مظلم محتوم لا حياد عنه البتة . الحب الكبير الذي عرفه الانسان ودوّن الآثار الخالدة في وصفه هو الحب الذي يحيينا ويدمرنا ويميتنا وترك آثاره علينا مدى الحياة . إنه الحب العاصف التعيس الذي يلهب الخيال وينساب معه العاشق وكأنه أمام قدر محتوم لا حول له ولا قوة على رده . والإلتفات إلى التراث الأدبي العربي يؤيد الفكرة نفسها حيث ارتبط الحب بالموت والقدر المحتوم ارتباطاً وثيقاً وكلنا يعرف الحديث المأثور : من أحبَّ فعفَّ فمات، مات شهيداً .

هناك فكرة رئيسية أريد توضيحها وهي أنه لا يوجد أي فارق أساسي أو نوعي بين المرأة والرجل بالنسبة لعاطفة الحب وذلك بخلاف الأفكار الموروثة الخاطئة كافة حول هذه الحقيقة وبخلاف التصورات المسبقة المغروزة في عقولنا وقلوبنا أجمعين . أن المرأة بحكم طبيعتها الانسانية قادرة على أن تكون عاشقة ومعشوقة مثلها في ذلك كمثل الرجال ، أي أنها قادرة على السعي لاستمالة من تحبه من الرجال تبعاً لميولها وتقديراتها وعواطفها بخلاف التقاليد الصارمة التي تفرض عليها ألا تختار إلا في دائرة من يختاروها . إنني أرفض المنطق التقليدي الذي يحدّ من حرية اختيار المرأة حياتها العاطفية ضمن حدود من يختارونها أولا من الرجال . إنها قادرة في الواقع على أخذ زمام المبادرة العاطفية كلياً شأنها في ذلك شأن بقية الناس . ولا شك أن المرأة تشعر بنوع من الارتياح العميق حين ينتقيها الرجل ليخصّها باهتمامه العاطفي حتى لو لم تكن تنوي قبوله . ومصدر هذا الارتياح هو أن فعل الاختيار يجعلها تشعر بأنها محبوبة مرغوبة بغض النظر عن استعدادها للتجاوب العاطفي في تلك الساعة . غير أن هذا الاحساس ليس وفقاً على النساء فحسب ، فالرجل يشعر أيضاً بمثل هذه الأحاسيس عندما يكون محطّ أنظار النساء ويلذّ له أن يكون مفضلاً لديهن حتى لو لم يكن في نيته التجاوب العاطفي .

يعاني العاشق من حالة تنخر بنيان الشخصية وتُنغّص عيشها باستمرار . أي يأتي شقاؤه نتيجة اصراره للتضحية المستمرة بناحية جوهرية من نواحي الحب الذي يعيشه وعلى هذا الأساس يتكون احساسه المبهم بمفارقة الحب الكبرى وتولده من ألم نفسي مستمر ، وعلمه بهذه الحقيقة يزيد في شقائه الصامت والمستمر ويجعله يمعن في يأسه واستهتاره .

لقد وقع الشاعر العربي في الخطيئة حين قال :
نقّـل فـؤادك حيثُ شِئت منَ الهـوى مـا الحـبُ إلاّ للحبيـبِ الأولِ

أراد الشاعر خلق نوع من الوفاء المقنع أو المزيف الذي يتسلل إلى صلب العشق لتعزيته كأنه يقول العاشق لنفسه أنه باستطاعته أن يرضي نزعة الحب والاستمرار في الحب عن طريق الوفاء المزعوم للحبيب الأول ، بينما تكون نزعة الاشتداد قد اكتفت بتنقيل الفؤاد حيث شئنا من الهوى . وهذا النوع من التوفيق بين الأحوال المتعارضة لا يتحقق إلا على مستوى الخيال والشعر والوهم فحسب . أما العاشق الأصيل فيحارب هذه النزعات نحو الوفاء المقنّع لأنه يريد اقتناص العنصر الفريد في كل تجربة .

وقد صدق الشاعر حين قال :
دع حـبَ أولَ مـن كلِفتَ بحبـهِ مـا الحـبُ إلاّ للحبيبِ الآخـرِ
مـا قـد تولَى لا ارتجـاع لـطيبهِ هل غائـبُ اللذاتِ مثلُ الحاضرِ

لا شك أن الحل المثالي لمفارقة الحب هو ابقاؤه إلى الأبد أو على مدى الحياة في أقصى درجة ممكنة من الاشتداد والحدة فلا يطرأ عليه ملال . لذلك يتولد من مفارقة الحب وهم كبير يعبر عنه العشاق في ساعات اللقاء والوصال ، بالأيمان المغلظة التي يتبادلونها بالوفاء الأزلي المطلق والاستمرار بالعشق مدى الحياة وفي وجه العقبات جميعها وتقلبات الزمان كافة . فلا عجب أن يشعر العاشقان بأن كلاً منهما كان مجعولاً للآخر منذ بداية الزمان ، فيتوهمان أنه يمكن لحالهما أن يدوم إلى أبد الآبدين . إنهما يعيشان في حالة تمزج الخيال بالواقع والوهم بالحقيقة والأحلام بالأشياء . أما المرارة والخيبة فتأتيان بعد حين حيث يدرك العاشقان أن بقاء هوية الحب مستديمة خالدة ليس إلا وهماً وخدعة وأنه من المستحيل في هذه الحياة الاستمرار والدوام على اللحظات الغرامية العابرة التي أتاحت لنا فرصة الاستمتاع بالحب في أقصى درجات عنفه وحرارته وانفعاله . والحب برأي شخصياً يعبر عن حالة مرضية متغلغلة في نفس العاشق وتتبين في ولعه بسقمه وحرمانه وتلذذه بألمه وشقائه وتعاسته واستمتاعه بحرقة الشوق الذي لا أمل في إشباعه ، ولا غرابه في أن يتصور العاشق أن قلبه هو أشقى القلوب .

ختاماً أقول والحق يقال . أن من عرف الحب بالتجربة والمعاناة فهو بغنى عن كل التعريفات والتحديدات النظرية .