Search
الإثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩

رأي خاص- نقولا دانيال…من متاريس الحرب الى سُدّة الشاشة الرمضانية

1

الى جانب الوجوه الشبابية المعروفة التي تطلّ حاليا على المشاهدين ضمن الاعمال الرمضانية، تبرز شخصيات مبدعة ومخضرمة في عالم الفن والتمثيل، قدّمت ولا زالت تقدّم للمشاهدين أدوارا مميّزة بحرفية معهودة.

أبرز هذه الشخصيات الممثل العريق المبدع نقولا دانيال، الذي يطلّ على المشاهدين ضمن عملين هما “الكاتب” و”إنتِ مين” حيث يقدّم للجمهور شخصيتين مختلفتين بحرفية وإتقان، تجعل المشاهد يقتنع بما يراه ويصدّق أن ما يحصل حقيقة وليس تمثيلاً، فيتعاطف مع الشخصية أو يحقد عليها، بحسب الدور.

بالنسبة لمسلسل “الكاتب”، يجسّد دانيال دور قاضٍ متقاعد، يكون والد الممثلة دانييلا رحمة وهي “مجدولين” محامية في المسلسل، تجمعها فيما بعد علاقة بالكاتب يونس جبران والذي يجسّد دوره النجم السوري باسل خياط، فينقل نقولا دانيال دور الأب الحريص والخائف على ابنته من ايّ اذى قد يلحق بها أو من أي شخص قد يسبّب لها المتاعب او يزعجها، خصوصًا الكاتب يونس جبران، والذي يظهر “نفور” دانييل منه وعدم الارتياح له.

اما الدّور الاعظم والمثير للجدل هو دوره في مسلسل “انتِ مين”، اذ يلعب نقولا دانيال دور “اسعد” والد كارين رزق الله او “جهاد” في المسلسل، رجل فقير، ثمل، يعيش على اطلال الماضي ويردّد احداثاً حصلت معه ومع زوجته ايام الحرب، فهو الذي لُقّب بالبطل لشجاعته في تلك الايام، عاش قصّة حب مع “عايدة” الملقبة بـ”اللبوة”، وهي الممثلّة المبدعة جوليا قصار.

الحب الذي جمعهما كان اقوى من كلّ الظروف، فرغم الحرب ومساوئها، واختلاف طوائفهما، وانقسام لبنان الى منطقتين شرقية وغربية، استطاع حب كل من اسعد وعايدة ان ينتصر، فتزوجا وانجبا ولدين، هما كارين رزق الله، وطفل آخر لم تتّضح قصته بعد، قد يكون خُطف او توفي اثناء الحرب.

الجدير بالذكر ان هذا المسلسل ليس العمل الاول الذي يجمع كارين بنقولا دانيال، فسبق لهما ان تعاونا في مسلسل “قلبي دق” اذ جسّد ايضا دور والدها “طانيوس” وهو ابن قرية بعيدة عن المدينة، يلتزم ابناؤها عاداتها وتقاليدها ويطبّقونها بغضّ النظر عن صحّتها او منطقيتها، ومن يخالف هذه التقاليد يلقى جزاءه.

دور الاب الصارم والتقليدي وصل الى المشاهدين، اقتنعوا به وصدّقوه، وهو إن دلّ على شي، فعلى عظمة نقولا دانييل واحترافه في تجسيد كل شخصية يلعبها، وصدقه وواقعيته في لعب الادوار.

اما شخصية اسعد، الثّمل الذي يستمرّ في اعادة مشاهد الحرب في مخيلته، استطاع ان يدخل قلوب المشاهدين وخصوصًا الجيل الذي عايش الحرب ويعرف كافة الاحداث التي حصلت يومها، فأسعد قادر بكلمة واحدة ان يؤثّر بالمشاهد ويجعله يصدّق ان هذه الاحداث ليست تمثيلا انما حقيقة. لحظة ثموله حقيقية وواقعية، تُصدّق بسهولة، بعيدا عن التصنّع، من حيث نظرات العيون وطريقة المشي والتنقّل بين غرف المنزل وحتى الشارع وحاويات النفايات التي يزورها كل ليلة ويجمع منها ما يجده من العاب وملابس، ليأخذها لابنته بعد عجزه عن جلب  اشياء جديدة لها نتيجة وضعه الاقتصادي الصعب وحالته المأساوية.

إذًا، يحفل هذا الموسم الرمضاني بوجوه تطلبها الشاشة باستمرار، فنحن في زمن نتعطّش للفن الحقيقي، البعيد عن التصنّع و”الوسائط”، نحن بحاجة الى مواهب حقيقية، نلمس ابداعها من خلال دور او شخصية يجسّدها صاحب هذه الموهبة، وهذا ما نراه اليوم من خلال ممثلين قديرين أعطوا الشاشة أكثر بكثير مما أعطتهم.